Facebook
مصطفى العقاد , رسالة لم تكتمل
الكاتب: محمد الرفاعي   
السبت, 21 نيسان/أبريل 2012 23:35

3kad
يقحم اسم "مصطفى العقاد" الذاكرة بالكثير من التداعيات؛ فهو المخرج السوري الذي أنتج فيلمي "الرسالة"، و"عمر المختار" اللذين يعدان بمثابة معركة حضارية مليئة بأحاسيس الاعتداد بالنفس وأصالتها، جامعاً بين الأمانة والموضوعية والجمالية المشهدية في رقة وحميمية، إضافة إلى العمق التاريخي.

فالفيلمان لوحتان سينمائيتان تحملان رؤى عميقة ونافذة، ومعالجة راقية قدم خلالهما صورة مشرقة للحضارة الإسلامية ونضالات الشعوب، وحفر بهما اسمه في عالم الإخراج والإبداع بشكل أقرب إلى الاستثنائية، أوصلته إللى العالمية بجدارة.

والحالة اليوم معه غدت أكثر إيلاما وفظاعة؛ فحادث مقتله شكل مفارقة مؤلمة وصادمة، فكان بمثابة الفاجعة على الجماهير العربية التي أحبته بما تمتع به من رؤية سينمائية مستمدة من دينه وتراثه؛ فالإرهاب الذي حاربه مدافعًا عن إسلاميتنا وعروبتنا كان هو أحد ضحاياه على يدي جماعة وصف "العقاد" فعلها بأنه "عين الجهل".

البدايات

مصطفى العقاد، مخرج سوري الأصل، يحمل الجنسية الأمريكية، من مواليد عام 1936م في مدينة حلب التي نشأ فيها وترعرع، وهي المدينة المحافظة ذات التاريخ العريق الغائص في التراث والأصالة، وعبر حاراتها صقلت شخصيته، ونما فكره، وكوَّن رؤيته التي أصبحت حلماً تحقق القليل منه.

وفي حلب ذاتها أصبح مولعاً بالسينما بعد أن كان قد اعتاد مشاهدة الأفلام السينمائية عند أحد جيرانه، وعندما بلغ سن الثامنة عشرة قرر أن يصبح مخرجاً سينمائياً وفي هوليوود تحديداً.

وأمام تصميمه وإصراره على هوليوود تلاشت كلمات عائلته التي كانت تدعوه ليحلم على مقاسه، وتمكن من تحقيق حلمه رغم فقر حالته المادية، ورفض الفكرة اجتماعاً من محيط أسرته.

وأمام فقر الحال وغداة حصوله على موافقة مبدئية للدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية عمل عاماً كاملاً ليوفر ثمن تذكرة سفر، عندها سلمه والده مبلغ 200 دولار أمريكي ومصحفاً شريفاً وودعه متفائلاً.

وهذا مشهد يلقي بعض الضوء على شخص العقاد؛ فأمام ضعف الجانب المادي كان يتمتع بروح إيمانية عالية، وربما هذا ما يفسِّر عدم يأسه من تنفيذ أحلامه التي كانت أشبه بالمستحيلة، فكان قدوة بالمثابرة والعمل والتسلح بالإيمان.

وهذا ما جعله متمترسًا خلف حلمه؛ ففي أمريكا وبعد أن درس السينما بقي حاملا هموم بلاده وحاملاً لمشروعه الرائد في إنجاز أعمال تاريخية مهمة في تاريخ الشعوب الإسلامية والعربية، فلم تجرفه الشهرة ولا الرغبة في جمع المال عبر الإنتاجات التجارية الضخمة، بل ظل باحثاً عن مكان لأحلامه العريضة في هوليوود حتى آخر أيامه.

ومن ذلك انطلق منصهراً في بوتقة عقله وثقافته وقيم الشرق العربي جنباً إلى جنب مع أدوات الإبداع والإنتاج الغربي ليحفر في خبايا الجماهير موغلاً في نفوسها، ومجسداً عبر معاني أعماله التي تستعصي على التعبير المباشر الكثير والكثير من العبر والدلالات.

ويحسب للعقاد فهمه للعقل الأمريكي؛ فعبر سنواته الـ23 التي قضاها هناك تمكن من فك شفرة هذا المجتمع المعقد، وبذلك أحسن مخاطبته عبر الإعلام الذي كان دائم التركيز عليه؛ فقد رآه السلاح الذي يجب أن يخوض به معركته الحضارية مع الغرب.

ورغم وجود عدد من المخرجين العرب في هوليوود فإن اسمه لمع دون غيره عربياً وغربياً، والسر في هذا العقل المبدع يعود إلى محافظته على تراثه وقوميته ودينه، وهذا ما منحه عمقاً خاصاً عن غيره؛ ليقدم عبر أعماله على قلتها تعريفاً بالإسلام والحضارة الإسلامية وكفاحها من أجل البقاء أمام الهجمة الاستعمارية.

أحلامه.. صلاح الدين

ظل العقاد منتظراً لسنوات طويلة إنتاج عمل سينمائي مماثل لفيلمي "الرسالة" و"عمر المختار"، وكان "صلاح الدين الأيوبي" هو العمل الذي اختاره ونذر نفسه في سبيل إعداده، ورحل محتفظا بسيناريو ورؤية إخراجية للفيلم دون أن يرى النور لعدم توفر الدعم المطلوب.

ويلحظ أن العقاد كان مصراً على هذا الفيلم بالذات، فكان يحمل فكرته أينما رحل أو حل، فقد رأى أن هذا الوقت بالذات هو التوقيت المناسب له، على اعتبار أن سيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري على الساحة العربية اليوم.

وبما أن الفكرة انبثقت من هذا المنطلق فإنها كالعادة تعرضت لمساومات كثيرة في معظم أقطار الوطن العربي بفعل الإسقاطات المعاصرة التي كانت تحملها؛ ونظرا لتشابه الظرف الموضوعي في العالم العربي فهو ذاته الظرف الذي خرج فيه صلاح الدين، وبذلك كان حاله كبقية أحلامه السابقة واللاحقة التي كانت تصطدم بالحكومات العربية التي تطلب أفلاماً تمجدها.

إضافة لحلمه الكبير الذي عاش معه 6 سنوات كان يطمح أن ينتج فيلماً عن "صبيحة الأندلسية" وهي المرأة التي حكمت الأندلس، وفيلماً آخر يروي قصة ملك من ملوك إنجلترا كان قد أرسل في عام 1213م وفدًا إلى الخليفة في الأندلس يطلب منه أن تكون إنجلترا تحت حماية الخليفة المسلم.

وتلك مفارقة أراد المخرج القدير أن يصنع إسقاطاً تاريخياً عبر تعامله معها أمام قلة حيلة أنظمتنا العربية، وانعكاس الحالة كلياً في أيامنا هذه.

كان "العقاد" يحمل رؤية مستقبلية أوسع من فكرة إنتاج عمل أو مجموعة أعمال؛ فمن ضمن أحلامه كانت مدينة سينمائية أو مجمع سينمائي للإنتاج بمستوى الإنتاج العالمي، بروح عربية إسلامية بمستويات الرسالة التي تحملها أمته، وكان تصوره عن هذه المدينة أنها مدينة لا تبنى، بل إستوديوهات قابلة للتنقل، فقد كان عازماً على نقل التجربة الأمريكية مثل "يونيفيرسل ستوديو" في هوليوود (أي نموذج الإستوديوهات المتحركة).

يعتبر فيلما "العقاد" "الرسالة" (1976م)، و"عمر المختار.. أسد الصحراء" (1980م) من أفضل أفلام السيرة الذاتية على مستوى العالم؛ فالأول يعد أضخم وأفضل إنتاج سينمائي يتناول موضوعاً دينياً عن الإسلام في تاريخ السينما، والثاني يعد أضخم إنتاج عربي يتناول قضية نضال الشعوب في سبيل تخلصها من الاستعمار ونيره.

وبهما تمكن من توصيل رسالتنا الحضارية بشكل عالمي، حيث وصلت أعماله إلى العالمية مؤكداً للجميع أن إمكانياتها متوفرة، ويمكن حصرها باللغة والتقنية، وبتوفرها بين يديه أتاحت له فرصة لا مثيل لها لمخاطبة الغرب.

ومنذ البداية وبما يحمل من فكر تجاوز المحلية خطط إلى تجاوز المشكلة الكبيرة التي واجهت معظم منتجي الأفلام الدينية السابقين؛ وهي تقديم الفيلم باللغة الأجنبية إضافة للعربية، وليس بطريقة الدبلجة وإنما بطريقة إنتاج الفيلم مرة ثانية بممثلين أجانب.

وما يميز فيلميه الخالدين أنهما ولدا بطريقة قيصرية، ومن خلال مبادرات شخصية، فلم تبادر أي جهة رسمية أو دينية إلى تبني مثل هذين المشروعين، فقد أنجزا بتمويل عربي ليبي وواجها الكثير من العراقيل والمشاكل.

ففيلم "الرسالة" الذي أنتج بعد أن حرص على الحصول على موافقة الأزهر الشريف على سيناريو الفيلم الذي اشترك معه في كتابته الأديبان "توفيق الحكيم"، و"يوسف إدريس"، ومع ذلك ظل الفيلم حتى الآن أسير المحاكم في دول عربية رفضت بثه، في حين قامت وزارة الدفاع الأمريكية بشراء مائة ألف نسخة من "الرسالة" لعرضها على الجنود قبل إرسالهم إلى الحرب في أفغانستان.

وهذا مؤشر بالغ الأهمية إلى القيمة الفعلية التي يكتسبها الفيلم، فهو عمل يشكل مصدراً ليتعرف الآخر الحضاري على الإسلام، وهنا يعد الفيلم وثيقة حية قادرة على نقل صورة الإسلام وحقيقته الحضارية للعالم، وقد كرس فيه العقاد فعلاً عربياً جماعياً عبر الكتابة والتمثيل وحتى التمويل.

ويلحظ أنه كان قد أنجز فيلم "عمر المختار" بعدما بحث عن موضوع يرمز إلى عدم الاستسلام والهزيمة بعد زيارة السادات إلى "الكيان الصهيوني"، وجاء هذا من منطلق عميق آمن به العقاد؛ فالسينما ليست مجرد تعامل مع جماليات يصنعها الضوء، بل هي بمثابة فعل ثوري يحافظ على المجتمع، ويلعب الدور الأكبر من تثبيته على مواقفه ومبادئه وتعزيزها.

رغم قلة السنوات التي قضاها العقاد في سوريا والبلدان العربية بالمقارنة مع ما قضى في أمريكا فإنه عمل على توسيع الحركة السينمائية في العالم العربي، عبر تخريجها من حيز المحلية إلى العالمية.

ورغم ظهور العديد من التجارب السينمائية العربية منذ انطلاقتها قبل 75 عاما فإنها لا تزال متخلفة ومتواضعة تقنياً ومادياً وفنياً إذا ما أردنا مقارنتها مع آليات الإنتاج السينمائي الغربي أو تلك التي قدمها العقاد في فيلميه وهذا ضاعف تفرده؛ ليبقى نموذجاً لم يجارَ رغم حلمه بأن يتكرر نموذجه عبر إنتاج عمل سينمائي إسلامي ضخم كل عام.

وهو كمخرج فذ يمتلك رؤية اختلف عن غيره من المخرجين العالميين في أنه اتبع أسلوباً مستحدثاً جديداً في الإخراج تمثل في وقوفه ضد المنطق القائم بالعالم من ظلم وتسلط القوة؛ لتعكس أفلامه انتصاره للشعوب المحتلة ولأصحاب الصورة الذهنية المشوهة عرباً ومسلمين.

وعبر مشواره السينمائي الطويل عمل على تكوين رؤيته لعالم سينمائي مستقل لذاته، فهو لم يعتبر السينما مفهوماً جمالياً وحسب، بل كان لها مفهوم ثوري طليعي بأبعاد ودلالات كبيرة، ويعد فيلم "المختار" نموذجاً رائعاً لهذا البعد.

وانطلاقاً من هذا المفهوم الخاص والمتميز والواعي تعلم هو من ذات "عمر المختار"، وأوقف حياته على خدمة ما تعلمه، فقد كان مبصراً للواقع العربي، قارئاً لهذا الواقع الذي تبنى أن يقوم بما يساعد على النهوض به متكبداً الكثير من الصعاب.

وفي مجمل عمليه الخالدين قدم للجماهير العربية والعالمية تحفاً فنية عالمية؛ فمشاهده كانت مليئة بالدلالات، مكوناً عبرها رؤية عامة، ومؤرخاً للحظات صعبة وتاريخية في حياة الشعوب، فقد نقل بسرده الضوئي الواقع على مراراته، راسماً بسيناريو أعماله شخصيات قوية، بعيدة عن التعقيد والتشبيك، غير متماد في الرمزية التي تعجز المشاهد عن التحليل والفهم العميق.

كما تعد أفلامه نموذجاً للتضامن الإسلامي والعربي، فقد جمع بها قدرات فنية وتمثيلية من أنحاء العالم العربي والغربي أيضاً؛ فهي متقدمة عن عصرها، وسنكتشف فيها أشياء غابت عنا في المرة الأولى أو كنا نعتقدها من البديهيات.

فعملاه لم يفقدا قيمتهما أبداً، إنما تتجدد قيمتهما بمرور الوقت وتزداد الحاجة إليهما، فما قدمه تجاوز الزمن؛ بتقديمه رؤية غير منتهية، جاعلاً من الفن الذي أسس مبادئه مشاركاً وعنصراً حيوياً في حوار حضاري تشتد الحاجة إليه.

وغداة التعمق في حالته نكتشف أن هذا المخرج الاستعراضي غاص في حياة أمة على خلاف مناظريه، قائماً على أعمال موازية بين التاريخ بأحداثه والرواية التاريخية للفن؛ فلم يزوِّر كما لم يحرم المشاهد من المتعة الحقيقة للفن، بل كان مصدر إلهام حضاري.

وهو كشخصية غيورة قام بنقل تراجيديا شعوب إسلامية، نابشا المناخ الهزائمي العربي، محرضاً على التعرض له دون استسلام أو تهرب، بل بمواجهة كانت دائمة البحث عن النقاط المضيئة في التاريخ الإسلامي والعربي.

العقاد كان دائم الحرص على العودة بين فترة وأخرى، وكان يسمي عودته من أمريكا التي قضى فيها حوالي 23 عاما بـ"الحج" الذي يشحن نفسه فيه قومياً ودينياً.

وبرحيله، وهو الممتنع عن اليأس، صاحب العقل التنويري نفقد فرصة فرحتنا بظهور أعمال سينمائية عربية عظيمة على يديه، كما أنه لا تلوح في الأفق فرصة لتكرار إنتاج هذه الأعمال في العالم العربي مرة أخرى لغير سبب، منها القوانين الرقابية المتشددة، وخوف السينمائي العربي الذي يبقى أسيراً لمحددات واهية تقزم دوره.

وبموت العقاد ندرك أن آخر حروف الرسالة التي حملها قد انتهت؛ فالموت، كالعادة، جاء دون استئذان فاعلاً فعل السينما؛ فهي انكسار للقلب وغربة للروح