مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
يحيى البطاط: أرسم لوحات المدن بمتعة PDF طباعة
الكاتب: صفاء دياب   
الجمعة, 27 آذار/مارس 2015 23:16

 

 

yaheyaaaaa
حاول الشاعر والرسام العراقي يحيى البطاط الجمع بين أكثر من فن في آن واحد، فقد برز كشاعر له لغته وأسلوبه الخاص، فأصدر ثلاث مجموعات شعرية، فضلاً عن بروزه كفنان تشكيلي له بصمته وألوانه المتفردة في الفن العراقي والعربي، وكان معرضه الذي أقامه في العام الماضي 'تحولات المدينة' في الشارقة تحولاً في مسيرته الفنية.
البطاط الذي يؤكد على أن ابتعاده عن مدينتي البصرة وبغداد كان خطأ كبيرا، يقيم منذ العام 1995 في الإمارات العربية المتحدة، وهو أحد مؤسسي مجلة دبي الثقافية وما زال يعمل مديرا لتحريرها.
عن مشواره الشعري والفني كان لـ'القدس العربي' هذا الحوار:

* أنت العراقي الوحيد الذي حصل على جائزة الصحافة العربية في الامارات، ما الذي أضافته لك هذه الجائزة كصحافي؟ وكيف تبرر ادعاء البعض بأنك 'سرقت' المقالة التي فزت بها في الجائزة؟
* أعتقد أن أي جائزة رصينة هي تتويج لجهد يبذله صاحبها في حقل من حقول المعرفة والأدب والفن. وأرى أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الجائزة للفائز بها، أنها تسلط الضوء عليه، لذا فهي من هذا الباب يمكن أن تكون مفيدة في إيصال صوته إلى مناطق جديدة، لكنها بكل تأكيد لا تصنع منه نجما أو بطلا ما لم يكن قد حقق نجوميته وبطولته قبل نيله الجائزة، نحن نعلم أن الكثيرين ممن فازوا بجائزة نوبل قد طواهم النسيان بعد سنتين أو ثلاث سنين، القليل منهم فقط من نتذكره، وسنبقى نتذكره لعشرات السنين. أما جائزة الصحافة العربية التي نلتها في عام 2010 في الحقل الصحافي الثقافي، عن مقالة لي بعنوان 'المسودة صيغة أخرى للحياة' فكانت تحصيل حاصل لجهد بذلته خلال أكثر من 20 عاما في الصحافة الثقافية، لذا فأنا أعدها تتويجا لهذا الجهد في أحسن الحالات. أما ادعاء البعض، بل ادعاء أحدهم بأن المقالة مسروقة منه، أرى أن بإمكان أي شخص أن يدعي لنفسه ما يشاء، وستكون مصداقيته على المحك ما لم يقدم ما يثبت ادعاءه. وبكل روح رياضية أقول، وأتمنى أن يتفضل أي كان بتقديم أدلته وبياناته التي تثبت ادعاءاته، وسوف أقوم بنفسي بتسليمه الجائزة ودرعها وقيمتها المادية أمام الإعلام وبعلم المؤسسة التي منحتني الجائزة، وعلم لجان التحكيم التي رشحتني لها. وبعكس ذلك سيتحمل المدعي تبعات قانونية وأخلاقية ستسيء إلى اسمه وسمعته، إذا كانت تعنيه سمعته حقا.
إن أكثر ما آلمني هو قيام إحدى الفضائيات المشهورة بترويج ادعاءات ذلك البعض من دون أن تقدم ما يثبتها، وبدون أن تسألني، أنا صاحب الشأن بهذه القضية، عن حقيقتها، ما يعد وفق العرف القانوني قذفا وطعنا بالشرف الأخلاقي والمهني، ومخالفة صريحة لمواثيق المهنة الصحفية، وقد رفعت قضية في محاكم دبي منذ أكثر من سنتين ضد تلك الفضائية، وما زالت معركتي معها تجري فصولها حتى لحظة كتابة هذه السطور، وأتمنى أن تنتهي قريبا وأزف للأصدقاء بشرى انتصاري.
* أعلنت عن استيائك من مؤتمرات الشعر وقصيدة النثر، لماذا هذا الموقف؟ وهل تتوقع أن الشعراء ليسوا بحاجة لمناقشة ما وصل إليه الشعر؟ وفي الوقت نفسه عنونت كتابك الأخير بـ'نصوص'، فهل كان ذلك موقفا رافضا للتجنيس؟
* دعنا نتفق أولا أن الشعر تجربة شخصية جدا، ورغم أن صاحبها قد يتأثر بالأجواء الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية المحيطة به، فإنها تبقى تنهل بنهم من التاريخ الشخصي للشاعر. إذا اتفقنا على هذا المبدأ يمكننا أن نناقش بعد ذلك الجدوى من مؤتمرات قصيدة النثر، التي أراها لا تقدم ولا تؤخر شيئا في المسار التاريخي لحركة الشعر، لا على مستوى الحياة، ولا على مستوى الفن الشعري، سواء كنا منتجين أو مستهلكين له.
أكاد أجزم أن 95 ' من النتاج الشعري العربي، أو ما ينشر منه الآن يقع تحت مسمى قصيدة النثر. لدينا الآن جيوش من شعراء قصيدة النثر يكتبون بحرية مطلقة بعد أن انتزعت هذه القصيدة المبادرة واستحوذت على المساحة الأكبر من صورة المشهد الشعري العربي، على حساب الأشكال الشعرية الكلاسيكية. هذا الانفتاح غير المحدود، كما يبدو، جعل قصيدة النثر في متناول الجميع على مستوى الانتاج، خاصة بعد ثورة الاتصالات الحديثة التي كسرت احتكار النشر الورقي. برأيي أن مشكل قصيدة النثر ينحصر في استهلاكها، إنها قصيدة فاشلة اجتماعيا وجماهيريا بالمقارنة مع ما سبقها من أشكال شعرية، لكنها قدمت في بعض نماذجها فتوحات رائعة على المستويين الفني والتأملي. لا يتسع المجال هنا لتفصيلها. لذا أقول إذا كانت مؤتمرات قصيدة النثر تناقش هذه المشكلة فلا بأس، أما أنها تعقد في بيروت والقاهرة لتعلن عن حضورها، وتحتفي بروادها، فهذا أمر مضحك. وهنا يجدر بنا أن نتساءل لماذا لا يعقد شعراء العمود، أو شعراء التفعيلة مؤتمرات خاصة بشعرهم أسوة بزملائهم النثريين، خاصة أن لديهم حججهم القوية في عقدها. أرى أن عقد مثل هذه المؤتمرات يشبه محاولة لحشد قطيع ضد قطيع آخر، كأننا في ساحة حرب بين الأشكال الشعرية المتجاورة. وكأننا قبائل عليها أن تتبارى في رفع راياتها. قد يكون مبررا عقد مؤتمر لقصيدة النثر في ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي، أما يحدث الآن فهو أمر مثير للشفقة. وأكرر ما تقدمت به أن الشعر أيا كان شكله وبناؤه هو تجربة شخصية محضة، لن تتطور بالمؤتمرات، بل بالتأمل الفردي، وداخل مرجل المختبر الشعري تحديدا.
واستطرادا مع الجزء الأخير من سؤالك، قناعتي أن قضية قصيدة النثر لا ينبغي لها أن تحسم من خلال اجتراح فرضيات لتقعيدها كما فعلت نازك الملائكة مع شعر التفعيلة، وما محاولات عبد القادر الجنابي الحثيثة لتقعيد قصيدة النثر العربية إلا تكرار لخيبة الأمل التي منيت بها نازك، لكني مع فكرة اقتراح فضاء عام لها، فضاء يمكن من خلاله استقراء حياة وتقلبات النثري والشعري معا، ابتداء من قصيدة الشذرة وحتى تخوم النص المفتوح وما وراءه، على الأقل من اجل استبعاد الكتابات التي تصادفنا تحت مسمى قصيدة النثر، وهي في حقيقتها نصوص طلليلة ساذجة، أو زفرات رومانسية، تشبه وجدانيات الشعر المنثور، أو النثر الشاعري الذي بزغ مع مطلع الحقبة الرومانسية في بدايات القرن العشرين. وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى اجتراح مفردة (نصوص) تحت عنوان مجموعتي (حديقة آدم) لكي لا أقع في مطبات أصطلاحية غير محسومة. لكني في قرارة نفسي أقر بأنها تعبر طريقتي الخاصة في النظر إلى الشعر من زاوية النثر وفنونه، وبالعكس.
* 'تموت الشظايا'، 'دلال الوردة' و'حديقة آدم'، ثلاث مجموعات شعرية كتبها يحيى البطاط في فترات مختلفة، كيف تنظر لتطور الكتابة الشعرية بين هذه المجموعات؟
* صدرت مجموعتي الشعرية الأولى تموت الشظايا في العام 1988، وكنت كتبت نصوصها في أجواء الحرب التي كانت تستعر آنذاك وتلتهم حياتنا بلا هوادة. وعندما قدمت المجموعة للنشر إلى دار الشؤون الثقافية بناء على نصيحة الصديق الشاعر ماجد البلداوي، لم أكن أتوقع أنها ستنشر لإدراكي أن خطابها كان يضمر في ثناياه رفضا للحرب وهجاء عميقا لها، وهو هجاء يبدو واضحا في العنوان، في وقت كان معظم ما يصدر من قصائد ونصوص يطبل ويزمر للحرب وبطولاتها الزائفة. وعلى غير المتوقع صدرت المجموعة رغم ما فيها من مخاتلة، وفي وقتها اعتبرت صدور (تموت الشظايا) بمثابة انتصار شخصي، إذ استطعت أن أمرر مجموعة شعرية تهتم بالفن الشعري أكثر من اهتمامها بالغرض، في ظل ظروف ثقافية بالغة السوء.
وفي بداية التسعينيات بدأت تتغير لدي قناعات وتتشكل أخرى عن الكتابة الشعرية، كنت أريد أن اختط لنفسي طريقا خاصا لكني لم أفلح تماما، إذ شعرت أن ما تجمع بين يدي من نصوص لم يكن بمستوى ما كنت أطمح إليه، خاصة وأن العراق في ذلك الوقت كان في عزلة حقيقية عن العالم استمرت أكثر من عقدين، لم نكن نعرف ما يجري حولنا، وظلت تجارب جيلي تستنسخ من بعضها بعضا، سواء على مستوى اللغة أو على مستوى البناء والتجربة، وبقيت هذه المجموعة حبيسة أوراقي التي كانت تتنقل معي بعد مغادرتي العراق في العام 1995، إلى أن حدث أمر مشابه لما حصل مع مجموعتي الأولى، إذ حرضني صديقي القاص المبدع لؤي حمزة عباس أن أصدر المجموعة رغم عدم قناعتي بها، وبالفعل دفعتها للنشر لتصدر تحت عنوان (دلال الوردة) عن دار أزمنة الأردنية في العام 2006، وكانت جلّ نصوص المجموعة تنتمي لقصيدة النثر، سوى نص واحد كتبته موزونا. صدور (دلال الوردة) رغم ابتعادها نفسيا عن مزاجي الشعري الذي ظل يواصل التشكل باتجاه نص شخصي وخاص جدا، لم يتبلور إلا في مجموعتي الثالثة (حديقة آدم) التي صدرت عام 2010 وأعدها أنضج، وأقرب إلى مزاجي المتشكل والمتقلب، إذ إن مفهومي للشعر وطرق مقاربته ظل، وما زال، يتبلور، بسبب ولعي بالتجريب، وشعوري أن كل نص أكتبه هو تجربة جديدة ومغايرة. لذا أقول أظنني في (حديقة آدم) أمسكت بشيء مختلف وصعب، سأحاول تكراره في مجموعتي القادمة.
* أقمت معرضك الشخصي في الشارقة قبل مدة قصيرة، رأينا في أعمالك أجسادا تتراقص، وجوها شاحبة وعيونا شاخصة.. ماذا يعبّر الجسد في لوحاتك؟
* قد لا يظهر الجسد أو الوجه في كل أعمالي، لقد اشتغلت عددا من الأعمال التي اتخذت من الجسد البشري ثيمة رئيسة، مثلما اشتغلت أعمالا أخرى اتخذت فيها من الوجه تحديدا موضوعا مركزيا، وكلاهما أي الجسد والوجه يقعان تحت عنوان (البورتريت) وهذا الاشتغال يعبر بالضرورة عن موقف محدد من الجسد البشري أو الوجه، أو لنقل من الوجود الإنساني برمته بوصفه ظاهرة كونية اجتمعت فيها عناصر متنوعة وغامضة. أعتقد أن الجسد بكل امتداداته أو مكوناته، ظل موضوعا جاذبا للفعالية التشكيلة منذ رسوم الكهوف وحتى الآن. ويعبر هذا الجذب عن أهمية مركزية، ربما بسبب غموض الوجه واكتنازه على مجمل الحالات البشرية، من حزن وفرح وامتعاض وصمت وخوف وأمل وترقب... الخ، أو بسبب الرغبة في التعبير عن الحدوس الدفينة في عقل ونفس الرسام. نعم أرى أن الجسد واحدا من مراكز الاستقطاب المهمة في الوعي البشري، لأنه أحد مصادر الوعي بالذات، لاحظ أن الطفل عندما يبدأ بالرسم فإنه سيرسم وجوه الناس القريبين منه، أمه وأبيه وأخوته، وبتلقائيته الساحرة يستطيع أن يسقط عليهم مشاعره تجاههم. أنا شخصيا تعلمت من الوجوه والأجساد التي رسمتها ابنتي الكثير. أما على مستوى التلقي، تخيل نفسك تنظر إلى لوحة (بورتريت) لأي فنان، ستجد نفسك تدخل في قراءات متنوعة وغريبة لعشرات التفاصيل، وتفكر في الإحالات البصرية التي تتمخض عنها.
* والوجه الذي لا يختفي عن لوحاتك، رسمته بأشكال وخطوط متعددة؟
* كما ذكرت في إجابتي عن السؤال السابق، للوجه البشري حالات وتحولات لا تحصى، فهو بمثابة النافذة التي تمر من خلالها الحالات الدفينة في أعماق النفس والروح إلى العالم الخارجي. والوجه الإنساني بطبيعته لا يتوقف عن إرسال رسائله إلى المحيط، سواء في حالات اليقظة أو النوم، وهذه خاصية لا تتوفر في وجوه الكائنات الأخرى، إن لغة الجسد، ولغة الوجه جزء مهم منها، بتعبيراته اللانهائية يعد لغة موازية أخرى تتفوق في حالات كثيرة على لغة الكلام. ومن الطبيعي أن تجدني أحاول في كل مرة أن ابتكر رسوما لوجوه تعتمد على أنماط تعبيرية جديدة ومختلفة، تمزج بين الخط، واللون، والتقابلات والتوازيات، وفي كسر الأنماط التقليدية للتوزيعات الطبيعية لكتل الوجه، كالعينين والأنف والفم والخطوط العامة. أظن أن التكرار يسيء للموضوع، بل قد يقتل الفكرة التي يمكن أن تحملها لوحة البورتريه.
* كيف تصف معرضك الأخير في الشارقة 'تحولات المدينة'؟ لماذا المدينة؟ لماذا كل هذه الزرقة وازدحام البيوت؟
* شغلتني المدن طويلا، وجدت نفسي مشدودا لرسم لوحات المدن بمتعة، قد لا تقل عن متعتي برسم الوجوه البشرية، ربما لشعوري أن لكل مدينة وجهها الذي يميزها عن سواها، وجه المدينة أيضا يعكس حالاتها وتحولاتها عبر مسيرتها في الحياة. حدثني أحد الأصدقاء قائلا: 'إنك ترسم وجوه المدن، مثلما ترسم وجوه البشر'، وهذا ما تحقق في معرضي الأخير (تحولات المدينة) الذي أقيم في النادي الثقافي العربي بالشارقة، اعتقد أن المدينة بكل تحولاتها وتقلباتها، وما يطرأ عليها، وما ينعكس بالضرورة على ساكنيها، الحاضنة الكبرى والرئيسة للبشر، اقترنت بها الحضارة منذ (بابل) بوصفها أول مدينة عالمية، ويبدو لي أن للمدينة شيئاً من طبيعة البشر، ومزاجهم وتقلباتهم، فهناك مدن حزينة وأخرى فرحة مبتهجة، وهناك مدن عجوز تفوح من زواياها وشوارعها رائحة الزمن، ومدن ما زالت في مرحلة الطفولة تبدو براقة ومليئة بالأضواء، وتضج بإيقاعات الحياة السريعة. ثمة مدن لها صفات أخرى، منها المتأملة والراقصة، والثرثارة والمتحركة والصامتة، والشرسة والمسالمة والباذخة والبخيلة والمحبة والعدوانية والمتبجحة والمتواضعة... تماماً مثل البشر. وهناك أيضا مدن الوهم، مدن نتوهمها نحن، مثلما فعل محمد خضير في بصرياثا، ومثلما فعل أيتالو كالفينو في مدن لا مرئية. ولكل مدينة، كما أرى، ملمح من ملامح إنسانها، لها مزاج وروح وشخصية لا تختلف عن مزاج ونفسية وشخصية قاطنيها. الشعراء يشبّهون المدن بالنساء، وهو تشبيه لا يخلو من مبالغة، في الحقيقة المدن تشبه الإنسان، سواء كان امرأة أم رجلاً، طفلاً أم شيخاً، إذ إن مزاجها وكينونتها ما هما إلا انعكاس لمزاج وكينونة إنسانها. قد لا تكون لمدني تفاصيل وملامح تشبه ملامح المدن الحقيقية، لكنن ما يعنيني كفنان وشاعر أن أمسك بملمح أو إشارة تقودني من المدينة الأصل إلى تلك المدينة التي تشكلت في مخيلتي لتتعانقا معاً على قماشة اللوحة. كما يهمني في الوقت نفسه أن أترك للمتلقي فرصة لقراءة خاصة، وتأويل مختلف عن تلك الأماكن والمدن والبيوت..
* ما أهم التحولات التي طرأت على لوحتك منذ بداياتك وحتى هذا المعرض؟
* على المستوى الذاتي تبدو الفروق طفيفة، لكن ربما لا يبدو الأمر كذلك بالنسبة للمتلقي، بطبيعتي أنا كائن يزهق بسرعة. أكثر ما يربكني التكرار، وأكثر ما يستفز مخيلتي التجريب، وبينهما يمكنك أن تقرأ ملامح التحولات أو التغيرات التي تطرأ على لوحتي. المغامرة والحرية هما الطموح أو الغاية التي أنشدها عندما أرسم لوحة جديدة. ثم أخيرا لا بد من إدراك الإطار الجمالي للعمل، أو الشعور بالانخطاف به، ما لم يتحقق هذا الانخطاف سأعتبر لوحتي فاشلة بامتياز.
* بين الشعر والرسم.. أيهما أخذ يحيى البطاط من الآخر؟
* لا أظن أن أحدهما أخذني من الآخر، في كل حقول الإبداع الإنساني، ثمة خيوط مشتركة، أو لنقل طرق متقاطعة لا بد أن يمر بها الجميع،.. الموسيقي والتشكيلي والشاعر والراقص والمفكر والناثر لا بد لهم أن يلتقوا في تلك التقاطعات بطريقة أو بأخرى، هذا ليس اختيارا، ولا ترفا، بل هو مصير مشترك. إن ما يبدو مختلفا في الظاهر هو اختلاف سطحي في خامات الخلق،.. من يعمل بالطين سيخلق شيئا من الطين، ومن يعمل بالكلمات سيخلق شيئا من الكلمات، وهكذا بالنسبة لمن يعمل باللون أو بالنغمة أو بالفكرة، أو بالحديد والبرونز. أعرف كثيراً من المبدعين لم يكتفوا بخامة واحدة في إبداعهم وتنقلوا بين أكثر حقل إبداعي. شخصيا كنت أرسم طوال الوقت بشكل سري، إلى جانب ما كنت أكتبه شعرا. ولم يشاهد أعمالي إلا أفراد أسرتي، وعدد قليل من الأصدقاء، إلى أن طفح الكيل.
* أكثر من15 عاماً وأنت تقيم في الامارات، ماذا أضاف لك الابتعاد عن البصرة؟ وكيف أثر فيك الابتعاد لغة وأسلوباً في الفن والحياة؟
* رغم وجاهة السؤال وحيويته، لا أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة، ما زلت في البصرة بطريقة أو بأخرى، أحلامي طالما تأخذني إلى تلك الأزقة والحارات البصراوية المدهشة. نحن كائنات ترتبط بالمكان وتقيم معه علاقات وثيقة، سواء مكان النشأة الأولى، أو المكان الذي سيضمنا في مراحل لاحقة. دائما تنشأ علاقات جديدة سرعان ما تنمو وتتطور بين عمليات أخذ ومنح متبادلة. كتبت مرة عن علاقتي بالبصرة وبغداد، المدينتين اللتين شهدتا خطواتي الأولى في الحياة، كتبت أني اكتشفت – للأسف ومن خلال جملة الاختراعات الذهنية التي تتفتق عن مخيلة مهووسة بالتجارب الأولى، أن علاقتي بالبصرة وبغداد تفوق ما كنت أتوقعه، عرفت أيضا أن بغداد أكثر جنونا من مدينتي الأم البصرة، ومن أي مدينة عربية أخرى، وأدركت بعد فوات الأوان أن مغادرتي البصرة كانت حماقة، لكني أستدرك لأقول بأسى: إنها حماقة لا بد منها. أما التأثيرات الناتجة عن هذا الابتعاد القسري والاختياري معا، أرى أنه لا بد من النظر إليها بوصفها حصيلة طبيعية للتجربة الاغتراب، وهي حصيلة لا يمكن سرد تفاصيلها ببضعة أسطر، لكني أنظر إليها بوصفها تجربة غنية بالحياة والتنوع والدهشة.