Facebook
انسجام لا نهائي Eternal Harmony
الكاتب: ترجمة الدكتور سلمان عبدالواحد كيوش   
السبت, 08 تشرين1/أكتوير 2011 15:09

 

خاص بـسطور

انسجام لا نهائي Eternal Harmoy 

slmaan

جون ماك آرثر John MacArthur

الحاجة إلى القانون هي التي تجبرنا على وضعه، ففيه وفينا رغبة لتنظيم حياتنا، ولكننا في لحظة الفراغ من وضع القانون نصاب بقلق أكبر من الذي يعترينا في اللحظات التي تسبق وضعه، يتجسّد بالشكّ الكبير في قدرتنا على تنفيذه. فالقانون برمته يتقاطع مع ما يعتقده البعض حريّة أو منفعة. ومع اتساع قاعدة الرفض للقانون أو قبوله تتحدّد قدرة الشعوب على التحضّر. فأحد القوانين صريح وحازم في جعل الشارع ملكاً عامّاً، لكني أرفضه، فافترش الشارع لعرض بضاعتي، وآخر عجز بطريقة ما عن التفريق بين ما هو مال عام وخاص، فخلط بينها، وآخر غشّ في الامتحان، وآخر زوّر ورقة، وآخر...وآخر...

أظن أن المعادلة الصعبة لتحضّر الشعوب تكمن في احتمال الشعب لألم طاعة القانون، وقدرته على تحويلها إلى لذّة. أما إن وَجدَ الشعب لذّة في خرق القانون واكتفى بها وفضّلها على لذّة طاعته فهو مؤشر أكثر من واضح على بدائيته...أما إن خرقنا القانون واستشعرنا ألماً فنحن حينها في منتصف الطريق. فانظرْ وأنت تخرق القانون إن كنت تجد لذّة في نفسك أو ألماً، وأحكم بعدها.

* * *

قبل قرون مضت، كان هناك زعيم عشيرة عُرِف بقوته الجسديّة، وتأثرتْ عشيرته بقوته وأصبحت قويّة مثله. وفضلاً عن قوته الجسديّة، عُرِف هذا الزعيم بحكمته. ولكي يساعد الزعيم عشيرته على العيش بأمن وسلام، وضع مجموعة من القوانين تنظّم حياة شعبه في مختلف شؤونهم ونفذّها بصرامة. وبمرور الوقت اكتسب سمعة طيبة بعدله، وصبره وعناده في تطبيقه.

ولكن أنّى للقانون أن يمنع القلاقل؟ فقد طرق سمع الزعيم ذات يوم أن أحد أفراد عشيرته يسرق. لذا طلب في الحال أن يُحشر الناس أمامه، وخطب فيهم قائلاً: "تعلمون أن هذه القوانين لحمايتكم، ولمساعدتكم على أن تعيشوا بأمان وسلام. لا بدّ لهذه السرقة أن تتوقف، فأمامنا كل ما نحتاجه والحمد لله. ولقد قررتُ مضاعفة العقوبة من عشر جلدات بالسوط إلى عشرين لكل من يُقبض عليه متلبساً بالسرقة". قال ذلك وعيناه مليئتان بالحزن لأنه يحب شعبه. لكن السارق تمادى في سرقاته، لذا طلب الزعيم أن يُحشر الناس أمامه مرّة أخرى. قال:"أرجوكم اسمعوني، يجب أن يتوقّف هذا الفعل، فقد آذانا جميعاً، وجعل بعضنا يشكّ ببعض. لذا قرّرتُ زيادة العقوبة إلى ثلاثين جلدة".

واستمرتْ السرقة، وحشر الزعيمُُ شعبه وقال:"أتوسّل إليكم، وأناشدكم بكل عزيز عليكم، أوقفوا هذا الفعل، إن الألم الذي يسبّبه لنا لعظيم، لذا أجدني مضطراً لزيادة العقوبة إلى أربعين جلدة". والشعب يعرف حبّ زعيمه له، لكن القريبين منه فقط استطاعوا رؤية دمعة أخذتْ طريقها على وجهه وهو يغادر الجمع.

وأخيراً جاء رجل ليخبر الزعيم أن اللصّ قد أُلقي القبض عليه، وشاع النبأ بين الناس فتجمعوا ليروا من هو. تصاعد لهاث الحشد حين برز اللّص محاطاً بحارسين، واعترتْ الصدمة والحزن وجه الزعيم. فما كان اللصّ إلا أمّه، المرأة العجوز النحيفة المتداعية. "ما الذي يمكن أن يفعله؟" هكذا تعالى اللغط بين الناس، "هل سيطبّق القانون،أم أن حبّه لأمه سيتغلب على عناده في العدالة؟"انتظر الشعب قرار زعيمه وهو يحبس أنفاسه.وتكلم الزعيم أخيراً: "شعبي الحبيب، القانون لأجل سلامتكم وأمنكم. لابدّ من الأربعين جلدة، فقد كان الألم الذي سببته السرقة عظيماً".

قال ذلك بصوت حزين منكسر يزيد قليلاً على الهمس. وبإشارة منه تقدّم الحارسان بأمّه، وخلع أحدهما رداءها برقّة ليكشف عن ظهرها المحدودب وأضلاعها الناتئة.

خطا رجل آخر نحوها، وبدأ بتهيئة سوطه.

في هذه اللحظة تقدّم الزعيم وخلع رداءه كاشفاً عن كتفين وذراعين مفتولي العضل. وطوّق الزعيم جسد أمّه بذراعيه برقّة بالغة حامياً لها بجسده. كان يهمس في أذنها بما لا يعلمه إلا الله سبحانه في الوقت الذي كانت دموعه ودموعها تنسكبان على خديهما. أشار للجلاد، فانهالتْ لسعات السوط على جسده .... واحدة، اثنتان....

في لحظة واحدة، واحدة فقط، توضّح الحبّ والعدالة بانسجام لا نهائي.