Facebook
يوميات الفتى الوحيد في الحرب – الحلقة الثانية PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محمود عبد اللطيف   
الخميس, 04 نيسان/أبريل 2013 23:48

 

 

fta
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

في الحرب .. تغص الأغاني بالضجيج ...
و كذاك صوت الاذان من مسجد محي الدين بن عربي .. الصوفي الذي لم يعرف له انتماء سوى دمشق .. حيث تخلتط المولوية بـروح الياسمين على اصبعك وانت تلمس حجارة المسجد العتيق .. كـ قاسيون ربما

رائحة التوابل الخارجة من المحلات الصغيرة تختلط بـأصوات الباعة و الخطى المزدحمة في هذا السوق البسيط الذي يحاول ا، يبقى ملاذاً اخيراً لفقراء المدينة .. كذاك عيون الدمشقيات التي ترمقك بـ استغراب سحنتك من خلف الخمار .. فـ يبادرك صوت مغن جميل في ذاكرتك .. أن قل للمليحة في الخمار الأسود .. ولكن ماذا تقول ..؟

اتقول لها ما الذي خبأته في هذه (العليقة ) القديمة من ثمار لفرح أطفالك وقت الحرب .. أتسألها كم رغيف خبز قدرت أن تتحصلي بعد طول الزحام .. أم .. كم ليلة رعب مرّت على عيونك اللتين تسألان .. و أصوات الحرب تقلق نومك ..

تترك السوق على أستفهام يدرك صدرك بالكثير من البخور .. تنحدر باتجاه العفيف .. حيث وحام الطبقة المتوسطة على ابواب المحلات التي لم تعد تجود بالكثير .. فهــهنا تقف البضائع متسائلة عن زبون قد يغامر بما تبقى في جيبه لـ يفرح صبية ما بـشالٍ جديد عوض الذي اهتراء لـقله الاستعمال
تقف على باب بائع لفاكهة .. فـضرسك المنخور يرفض أن يتركك بحالك وقت الأكل .. تبحث بين بضاعته عن الرخيص منها .. ترى ان اسعارها هبطت .. تسأله عن السر الخفي .. فيقول الحرب ..
أي حرب هذه التي غيرت حتى هذا .. فيبادرك أن الناس توفر مالها للخبز ... و هو الخبز مرة أخرى يقفز إلى أول المنصة ليعلن تسيده للمشهد ..

تنحدر مرة أخرى .. الحمراء .. هذا الشارع الذي يحتفل بصخبه و مترفي الحروب ..
تتركه على عجل إلى الحلبوني .. أبو اليسر .. بوجهه الملطخ بالرماد من نار يضرمها كل الليل يطلب منك سجارته اليومية .. تقدمها لو .. ويديه المحترقتان بـ الدفء تشي عن جوع يرّقص عظامه
- ابو اليسر تروح ناكل ..
- لا
- ليش .. ؟
- مستني عمورة ..
- ابنك ..؟
- لا .. القط
- وينه ..
- ما بعرف باي حاوية .. ابن الحرام يتركني و يروح يدور على أكل ... تفو على شاربه .. بس تعرف شغلة .. يمكن ملاقي شي قطة و عم يطبقها ..

ثم يطلق ضحكته خَجِلاً مما قاله ..

- أمشي ناكل فول ..
- اي الفول طيب .. روح ..

و عند ابي تحسين يكون الفول وجبة فاخرة آخر النهار .. حيث رائحة البصل تذكرك بمطبخ أمك الذي اضحى بعيداً جداً .. فلا طرق تأخذك اليه و حضنها ..

تخرج تاركاً أبو اليسر يبحث عن عمرة على أول زاوية .. و يشدهك المنظر الغريب لـ فتاة تقف على أول الشارع .. بـ ثياب لا تمت للمكان بـ صلة
تقترب من أجتيازها .. تطلق صفرتها لك .. تلتفت .. تدنو منك ..
- لوين رايح
- عفواً .. تعرفيني
- لا .. بس اتعرف شو هالشغلة
تهرب من غرابة الموقف الى ضحكة صغيرة لكنها تبادرك بـ بساطة ..
- عندك بيت ..
- لا
- لكن وين ساكن
- بالشارع
- فهمت عليك .. الله معك

تتركك وتعود إلى زاويتها .. تاركة لك كل الوقت لتحير بسؤال .. أ إلى هنا وصلت الأمور بنا .. ( يلعن أبو الحرب )

يقطع غضبك صوت جميلة تنادي عليك ..

- شو بدك جميلة ..
- تعال شوف ..
- شو في
- تعال .. هون بـ أول الحارة
تهرع خائفاً ... لكن أمراة ممدة على الرصيف كـجثة تذهلك اكثر من اي شيء .. عارية تماماً ملطخة بـ الوحل .. تخاف الاقتراب منها ظناً منك انها ميتة ..
- مو ميتة ...
تقولها جميلة وهي تراقب يدك التي أغلقت فمك حين أصبح على مصرعيه إثر الشهقة ..
- لكن شو ..
- هي مرت ابو القدحات .. وحيد .. لما تطلب منه مصاري وما يعطيها تشلح تيابها .. و تجيها الساعة
- الساعة
- اي ولو .. معها صرع .. شو نساوي
- وين الناس .. معقول ما حدا شافها ..
- مبلا و ابو الموبايلات الحقير صورها ..

يقطع حديثكما سيارة شرطة .. يطلب رئيس الدورية منك أن تبعتدان .. ومشيراً لأحد عناصره بأن يجلب بطانية من السيارة .. يرميها عليها .. ثم يسأل عن زوجها .. تشير له جميلة عليه .. تراقب الحدث .. منتظراً صفعة على خد زوجها .. لكن قائد الدورية يكفتي بجملة واحدة
- يا عديم الشرف ... تفو على شاربك

تسأل قائد الدورية إلى اين سـ يأخذها .. إلى مشفى ابن النفيس .. حالياً .. تقفز جميلة من خلفك ..

- عمو ابو الموبايلات صورها ..
- يحوقل غاضباً ويهرع إليه ... لاعناً كل الاشياء التي في الانسان ..

تترك المكان .. غاصاً بدمعك و ايام الحرب