زهور برية تحت بسطال الحرب PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عبد الزهرة زكي   
السبت, 04 شباط/فبراير 2017 19:57

3bdalzhraazke
في القرية التي قُصفتْ
امرأةٌ عجوز تلعن
بقاءَها حيّةً
(زيلجكو فوندا ـ كرواتيا)
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان جهداً مميزاً هذا الذي أقدم عليه آزاد اسكندر حين تابع وجمع وترجم عدداً من النصوص الشعرية المكثفة والقصيرة جداً من ثقافات مختلفة، وكان يوحدها اهتمام واحد هو أنشغالها بالحرب وبصداها فينا، نحن البشر المتورطين بها أو ضحاياها.
جهد آزاد اسكندر ضمّه كتابٌ صادر حديثاً عن دار فضاءات وقد تصدّره عنوان (هايكو الحرب) مذَيَّلاً بعنوان شارح: آثار الرصاص من أنحاء العالم.
والشعر جديرٌ فعلاً أن يكون الأثرَ الحي أبداً لرصاص الحرب في الوجدان الإنساني. الأثر المباشر للحرب يتوارى، ولو بعد حين، في أعقاب ارتفاع صيحات المنتصرين وانطفاء آهات المنكسرين مع انتهاء الحرب، أي حرب، لكن الآثار العصيّة على الزوال هي ما يحمله جسد الشعر من ندوب وجراح ومن صراخ الضحايا والمفجوعين بالحروب، إنها الرسائل التي كثيراً ما يتلقاها الضمير الإنساني وأكثر من هذا ما ينصرف بموجبه عن المأساة إلى (جمال المأساة) كما تكرسه نصوص الشعر والفنون الأخرى.
هل نقرأ لنتعظ، لنتعلم، لنستمتع، لنستقبح، لندّخر الخبرات، لننسى، لنتذكر؟
هذه بعض مشكلات الإنسان مع الفنون أو هي مشكلات الفنون التي لم تُحسَم تماماً مع الإنسان مُنتج تلك الفنون ومستهلكها.
الجانب الأشد أهمية في الشعر المعني بالحروب وبنتائجها هو الشعر الذي يتضمّخ عادةً بدمار الحروب وبتدميرها للإنسان. يُكتَب مثل هذا شعر وربما ليس في وارد تفكير مؤلفيه الاهتمام بنتيجته الإنسانية، بمحصلته التي نصنّفه في ضوئها كشعر مناهض للحروب، من بفكّر باسم الصرخة معناها إذا ما اضطر عليها وصرخ؟
الحياة تناهضها الحروب، بينما الحروب هي أيضاً لا يطفئ لهبها سوى إرادة الحياة، سوى مواصلة طفلين لعبهما ببراءة قريبا من دخان الحرب. هذه البراءة التي يواصل فيها الطفلان لعبهما هي البراءة ذاتها التي يكون عليها الشعر وهو يبكي ويتألم وينكسر ويجرح في الحرب، الشعر يتشبّه بالمسيح ليحمل ليس خطايانا فقط وإنما خطايانا ومعها انكساراتنا وخيباتنا وفواجعنا في الحروب.
لقد كانت هذه الفكرة نتيجة متحصلة من واحد من نصوص كتاب آزاد اسكندر، نص (ناعومي من كندا) الذي يتكثف، ويختصر محاولة البحث عما يناهض الحرب. هذا هو نص ناعومي:
باحثاً عن
قصائد مناهضة للحرب
أعثر على طفلين يلعبان.
مناهَضة ناعومي للحرب تجدُ قصيدتَها ووسيلتها للعمل المناهض في الحياة، الحياة كما يجسدها لعب بريء أمام الحرب وحيلها ومقاصدها. بينما تمضي قصيدة دوميترود ايفريم من رومانيا بطفل آخر من أجل ذلك الهدف ذاته، إنما بمشهد أكثر عنفا وأقرب إلى حقول الموت الحربية:
حقلٌ مليئ بالألغام
طفلٌ يركض
خلف فراشاته.
لا تلتئم نصوص هذا الكتاب بمقاربتها المشتركة لصدى الحرب فحسب، هذه المقاربة هي أيضاً ما تمنح النصوص كثافتها التعبيرية واقتصادها اللغوي وأساليب تطلعها للحياة منظوراً إليها من لحظة حرب، الحروب نسخ مختلفة لصورة واحدة هي صورة تعاسة الإنسان وانسحاقه تحت هول هذا (الجهنم) الأرضية التي نسميها الحرب.
اختلافُ مناسبات كتابة نصوص الكتاب واختلافُ الشعراء وتباين المجتمعات التي يحيون فيها والتي جُمع الكتاب من ثقافاتها المختلفة لم تكن كلها اختلافات كافية لزعزعة صفاء اليقين الإنساني المشترك وهو يُصدَم بالأهوال والذي يدرك مسؤوليته ليس فقط على حفظ الحياة والكرامة الإنسانية وإنما أيضا في المحافظة على حق الطبيعة بسلامها:
هجوم برّي
الزهرة البرّيةُ
في مكانها
كانت تلك قصيدة لعلم الدين قادريتش، شاعر من صربيا، بينما تكتب شاعرة من كرواتيا، ندى ساباتي، باتجاه آخر ولكن يلتقي بالهدف ذاته، هدف صيانة شركائنا على الأرض من أحياء أخرى تتهدد مصائرها وحريتها بما نخلق من جحيم لجنسنا البشري. تلقي ندى بتلك المهمة على طفل بريء:
طفلٌ لاجيء
يعلِّم الطيرانَ لطيرٍ صغير
سقط من عشّه.
هذه هي الخبرة التي تتكرم بها الحرب على الأطفال الخارجين من جحيمها، حين تسقط من عشك، من بيتك، من وطنك، ينبغي أن تتعلم الطيران، أن تتدرب على حريتك، لا ملاذ سوى ما تكتسب وما تحافظ عليه من حرية، الحرية فرصتنا الأخيرة للقبض على جوهرنا المهدّد بدمار الحرب.
يصغي الشعر كلما كان في المأساة إلى هذا الخيط الواهن من صوت يكاد يتلاشي، فيتبعه، تلك هي مهمة التقاط ما يظل من فُتات الحياة لترميمها وإعادة ترتيبها بقصد إعادة الروح إلى الحياة نفسها. لعل واحداً من أقسى مصائر الشعر هي أن يكون في الحرب، هناك سيكون الشعر أقرب صورةً وحالاً ومآلاً من مصير زهرة علم الدين البرية تحت بسطال الهجوم البري. ما الذي يقوى عليه الشعر سوى هذا البحث في ليل الحرب عما يمكن أن يُستَضاء به، ولا ضوء سوى الحرية.
على أمواج البحر
زهورٌ.. عظامُ المحاربين
في الأعماق.
يقول هذا شاعرٌ آخر من صربيا هو ستيفان ميخايئلوفيتش فيقدم تعبيراً آخر موازياً تكون الطبيعة بموجبه هي ما تنعى القتلى وهي ما تشير بأرقّ ما لديها، بالزهور، إلى آثارهم في أعماق البحر، عظامهم.
لم أشأ الوقوف عند داعي تجنيس النصوص بالهايكو؛ ربما يأتي هذا الإطلاق من داعي تغليب صفة الأكثرية، أكثرية النصوص في الكتاب تلتزم بالمبادئ العضوية والتقنية والتعبيرية للهايكو الآسيوي، فيما تتحرر بعض هذه النصوص من ذلك التأطير الإجناسي وتكتفي بالجمال الآسر الذي تكون عليه الكتابة المكثفة والصادمة بخلاصاتها، وهذا ما قد يجعلها على مسافة لا تنأى كثيراً عن فتنة الهايكو ومهارة تركيزه وبهاء آفاق التأمل التي تضعنا عند مشارفها.