نينوى ... بعد التحرير سيناريوهات و امنيات PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: مازن الصفار   
الأحد, 16 نيسان/أبريل 2017 18:03

mazeen123
لا يفصلنا عن تحرير باقي مدينة الموصل و محافظة نينوى بسواعد الابطال الا القليل من الوقت و لكن مع كل شبر يحرر يبرز تحدي جديد و المتمثل بالوضع السياسي و الاقتصادي و المجتمعي بعد التحرير. برزت العديد من الجهات المنادية بانتشال المحافظة من وضعها المزري بعد التحرير , البعض يطالب بتدويل القضية و الاخرون يطالبون ان تكون القضية عراقية خالصة و بين الرايين يبقى الوضع على ماهو عليه بل ان الامور على الواقع تنحدر بشكل كبير نحو الهاوية.
جميع المعلومات ممن الاهالي او من اشخاص في منظومة الدولة تتحدث عن تواجد للدواش في الاحياء المحررة في حين تبرز تصريحات كثيرة ان الاهالي متعاونون مع القوات الامنية في التبليغ عن الدواعش عند او بعد عمليات التحرير الا اننا على ارض الواقع نرى النقيض من ذلك. عمليات تهديد و ابتزاز و عبوات ناسفة واغتيالات بدأت تظهر في جانب المدينة الشرقي المحرر منذ اشهر. عجز حكومي واضح في اعادة الاعمار و تقديم الخدمات او اغاثة النازحين . وقد بدأت هجره حقيقية للمحررين من الاهالي الى محافظات العراق الاخرى او خارج العراق. فوضى امنية تمثلت بكثرة فصائل الحشد المنتشرة في الجانب الشرقي والمرتبط كل منها بجهة مختلفة و ذو تطلعات مختلفة و اغلبها ان لم يكن جميعها لا تتمتع بالخبرة القتالية ولا الامنية اللازمة لحفظ الامن. كل تلك الاحداث و الانباء لا تشير سوى الى ان المدينة سائرة نحو المجهول.
تتجه الاحزاب و الحكومة العراقية و الجهات السياسية في المدينة الى سيناريوهات متعددة في محاولتها للسيطرة على الوضع في المدينة اكثرها قوة هي: 1- تدويل قضية نينوى و السماح للاجنبي بالمساعدة في اعادة الاعمار و تطوير المدينة مع تعيين حاكم عسكري للمدينة لحفظ امنها . 2- العمل عراقيا على اعادة الاعمار و تطوير المدينة و حفظ امنها. 3- العمل المشترك بين الحكومة و المجتمع الدولي لاعادة الاعمار و استقرار المحافظة. و لكن لكل سيناريو من السيناريوهات ابعادا سياسية و اقتصادية تفيد و تضر ويجب مناقشة كل سيناريو بحيادية تامة.
1- تدويل القضية:
ينادي بعض اهالي نينوى بتدويل قضيتهم و يأملون دعما كبيرة من الدول و المنظمات الدولية لاعادة اعمار المدينة التي عانت قبل و بعد احتلالها من قبل الارهاب الداعشي و ياملون بتولية حاكم عسكري على المدينة بصلاحيات شبه مطلقة سياسيا وامنيا و اقتصاديا و يساعده مجلس مكون من اشخاص مرموقين اجتماعيا و كفاات من اهل نينوى ولكن هناك سؤال ملح , ماهو المقابل لذلك الدعم الدولي ؟ من المعروف للجميع ان الدول و المؤسسات الدولية لا تتدخل في اي منطقة من مناطق العالم الا بوجود مصالح سياسية او مادية او كليهما مما يشجعها على التدخل و استثمار الاموال الطائلة في تلك المنطقة و ما الذي ستقدمه نينوى لقاء الدعم الخارجي ؟ اذا كان المقابل هو استقرار المنطقة فاعتقد ان الدول الكبرى و الغنية لا تبالي اذا كانت نينوى مستقرة او لا بالمقارنة مع حجم الدعم المطلوب خاصة وان الدول المعنية لم تقدم شيئا يذكر بما يخص النازحين اثناء احتلال المحافظة و اثناء التحريربالاضافة الى ان اغلب الدول ان لم يكن جميعها تفضل العمل مع الحكومة المركزية في بغداد بصفتها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا. اما اذا كان الموضوع هو الاستثمارات و العائدات المادية من تدخلها و دعمها فهذه مشكله اكبر و هي تعني خصخصة المحافظة بالكامل وهو ما يرفع من تكلفة العيش للمواطنين بصورة كبيرة و مخيفة و يجعل الشركات هي المتحكم الفعلي بالمحافظة التي تعبر اصلا سوقاً محدودا للشركات العالمية وبكل الاحوال فان موضوع الاستثمار لن يلبي الطموحات المرجوة على عكس المحافظات الجنوبية وخاصة البصرة.
اما بخصوص الحاكم العسكري فما هي الالية التي تمكن من تعيين حاكم عسكري للمحافظة وعن طريق اي جهة والدستور العراقي لم يشر الى ذلك ولا القانون ايضا . وكذلك عن المجلس الساند لذلك الحاكم كيف سيتم تعيينه ؟ وفق نظام الانتخابات او نظام التعيين واذا كان عن طريق التعيين فما هي الجهة التي ستقوم بالتعيين ووفق ايه الية و مباديء وماذا اذا لم يلبي الحاكم العسكري طموح الشعب او اِن انحرف عن مساره المرجو ؟ كيف سيتم استبدال الحاكم العسكري المعيّن والالية القانونية لذلك ؟ في حالة تعيين الحاكم العسكري بصلاحياته المطالب بها ما هو مصير دوائر الدولة العراقية المرتبطه بالوزارات و بحكومة المركز وهي الغالبة على الدوائر والجهات المستقلة وهنا مشكلة جديدة تتمثل بتداخل الصلاحيات و القوانين بين تلك الحكومية المركزية و بين تعليمات الحاكم العسكري وكيف ستتعامل الحكومة في بغداد مع التعليمات الصادرة منه خاصة و ان اغلب الدوائر الحكومية لديها سياقات وزارية في التعامل بينها و بين المواطنين او بينها و بين الدوائر الاخرى. وفي حالة انسلاخ الدوائر و المؤسسات الحكومية عن مرجعيتها في بغداد ستؤدي لجعل نينوى اقليما انفصاليا وهو امر مرفوض سواءا داخليا او دوليا.
والسؤال الموجه الى تلك الشخصيات و الجهات الكريمة هل تمت مناقشة كل تلك التحديات و المشاكل ؟ هل تم بالفعل وضع الخطط و السيناريوهات المحتملة لكل خطة لحل المشاكل المتراكمة ؟ وهي مسالة تحتاج لوقت و جهد كبيرين و اجتماعات و دراسات كثيرة لا اعتقد ان ايا منها قد حدث عدا بعض الافكار و الاراء المبعثرة. هذا بالاضافة لفقدان الاحصاءات الميدانية و استطلاعات الرأي و غيرها.

2- العمل عراقيا :
الحكومة العراقية وحكومة نينوى المحلية كانت عاجزة عن اعمار المدينة قبل سقوطها بيد داعش كما هو الحال في باقي المحافظات العراقية التي مازالت تشهد تردي الواقع الخدمي و السياسي واليوم مع العجز الكبير في الميزانية الحكومية و نقص السيولة الحاد لدى القطاع الحكومي و الخاص اصبحت المشكلة اشد وقعا و تاثيرا فلا اعادة اعمار باقي المدن المحررة جارٍ بانسيابية (اِن وجد) ولا اغاثة النازحيين بالمستوى الادنى المطلوب. ومع فرض هيمنة الاحزاب الكبيرة على الحكومة وقراراتها فان مسألة التدخل الحكومي تعني تدخل الاحزاب لتحصيل اكبر قدر من المكاسب السياسية و المادية من عملية اعادة الاعمار وبهذا ستكون اعادة الاعمار اليوم مثيلة لسابقتها بعد 2003 عندما صرفت مليارات الدولارات على مشاريع فاشلة واخرى وهمية. ومع الاسف الشديد فان المؤسسات و الوزارات الحكومية تفتقر للكفأت العلمية و الادارية اللازمية لادارتها وان كل الخطط السابقة و الحالية في الاعمار والتنمية ليست سوى خطط فاشلة. والموضوع الاخر الاخطر من كل شيء هي التدخلات الاقليمية من الدول الطامعة بضم نينوى لتبعيتها و الاقتتال الذي يلوح بالافق بين تركيا و اتباعها و ايران و اتباعها لفرض هيمنتهم وهو ما تقف الحكومة عاجزة عن التدخل به بل باعتقادي ان الحكومة بشخص العبادي تنتظر المنتصر من هذا الصراع للتعامل معه. اما الحكومة المحلية في نينوى فهي ليست افضل حالا من الحكومة المركزية في بغداد و مجلص محافظة نينوى منشغل بالصراعات السياسية و تقاسم السلطة في المرحلة القادمة اكثر من انشغالهم بالاعمار و التنمية.

3- العمل المشترك بين الحكومة و المجتمع الدولي:
ارتباط الحكومة العراقية بالمنظمة الدولة يجعل عملية طلب المساعدات الدولة اكثر سهولة و انسيابية مع وجود العديد من الدول المرتبطة بمصالح اقتصادية و سياسية مع العراق و لذلك يبدو هذا السيناريو الاكثر ترجيحا للحدوث من السيناروهيين السابقين و لكن لم نرى الى حد الان اي تحرك جدي و ملموس من جانب الحكومة العراقية عدا بعض الخطب في المحافل والمؤتمرات الدولية دون وجود متابعة حقيقة من جانب الحكومة.
يجب على الحكومة اذا التحرك سريعا والتعاون مع جميع الجهات الدولية و المحلية لوضع خطة شاملة لاعمار الارض والانسان في نينوى و فرض الامن بتنقية المؤسسات الامنية من الفاسدين و المرتشين اولا و من ثم باقي المؤسسات الحكومية ليس فقط في نينوى بل في العراق بشكل كامل وفسح المجال للكفات المحلية لاخذ دورها في التخطيط والدراسة و رفدهم بالاحتياجات لذلك من فتح مراكز للدراسات داخل نينوى تحديدا ليتسنى للجميع المشاركة , واستقدام شركات متخصصة من الخارج سواءا عراقية مغتربة او اجنبية خالصة للاستفادة من التجارب الكثيرة في العالم بخصوص الاعمار و تنمية المجتمع و تغير الفرد في نينوى لفرد فاعل في اعمار بلده و تطوره.

كل هذه التحديات ولازال التحدي الامني هو الاهم فلا يمكن اعمار اي بناء كما لم يكن الوضع الامني مستقرا ومع كل تلك التعقيدات تبدوا العملية مستحيلة ولكن الامل موجود و التاريخ برهن لنا ان الامم لابد ان تنهض و تنفض غبار التخلف وتبني مدنها لتزدهر.