Facebook
يا هور الجبايش لا تسد الشط PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: دلال جويد   
الإثنين, 17 نيسان/أبريل 2017 14:28

dlalall copy
في طفولتي وبداية مراهقتي كنت أقضي العطلة الصيفية في أهوار الجبايش في بيت جدي رحمه الله " أحد اعمام أبي".
بدأ الناس يشيدون البيوت من الطابوق ولكن المرافق الحياتية الأخرى مثلت بدائية مطبقة ولكنها ساحرة وجميلة جدا. مدرسة "الصرايف" الابتدائية قرب بيت جدي ساحة وارفة للعب، وكانت لعبتي غريبة إذ أني أجمع عيدانا يابسة وأثبت بها زهورا برية صغيرة جدا وهكذا أصنع باقات من الورد اتأملها بفرح طفولي، ومنها بدأ هوسي بالزهور ولاني أومن بقوة القلب والروح اعتقدت دائما ان الزهور التي يهديني اياها حبيبي تعيش أطول مما لو اشتريتها بنفسي..
من تلك الساحة العشبية الصغيرة بدأت معرفتي بعالم آخر غير بيتنا في البصرة، اذا أني الضيفة المدللة تأخذني عمتي معها الى المعدان في عمق الهور لنشتري منهم حليب الجاموس والقيمر، ولأني كنت نحيفة جدا ـ عكس ما أنا عليه الآن ـ فقد أوصى جدي أهله بأن يسقوني كل يوم كوبا من حليب الجاموس "من أمه" بينما كنت أبحلق بقنينة الحليب التي تتحول في الصباح إلى قطعة قيمر افضل أن آكله مع خبزة حارة من تنور جدتي على أن اشربه صرفا...
يتنقل الناس من بيت الى آخر بالمشحوف، الأطفال يتقافزون في الماء مثل السمك، وكان الماء رائقا جدا أول ساعات الصباح حتى اني كنت أنظر بدهشة الى أسراب الأسماك وهي تتجول في محيطها بهدوء ودعة، بينما تطفو زنابق الماء التي تسمى " كعيبة" على السطح كأنها قادمة من عالم سحري. سهل جدا أن تسمع امرأة تغني في منتصف الهور أو رجلا يجر المواويل، فالحياة لا تحتمل تعقيداتنا.
لم يكن الماء القريب صالحا للشرب لذا كنا نصعد المشحوف انا وابنة عمي التي تكبرني قليلا لنملأ أواني متعددة بالماء من مجرى لنهر الفرات يشق الهور ولا يختلط بمائه، ومن متعي أن امد يدي الى جهة الهور فاشرب الماء مالحا، ثم اغرف من جهة النهر فاشرب ماء عذبا، لكني لم اتعلم السباحة لذا كنت اخاف من تحركات القوارب الكبيرة (الشختورة) بماكناتها القوية لأنها يمكن أن تقلب مشحوفنا الصغير، ومع هذا فالأمر يستحق المغامرة وأنا أحب الماء.
البردي متعة أخرى فقد كان لدى ابناء المنطقة طريقة مميزة في قلعه من الجذور، تلك الجذور التي تسمى "العكَيد" وهي مادة بيضاء صلبة لها طعم لذيذ مشبع بالماء، ويقال أن جدتي لأبي حطت بهم الرحال ذات يوم بأحدى مناطق الاهوار ولم يكن لديها ما تطبخه فعمدت الى جذور البردي وقطعتها مثل البطاطا وطبختها مع خلطة بهاراتها المميزة التي كانت تحملها معها أينما انتقل بيتها، وحين عاد الرجال محملين بالسمك وجدوا طعاما بانتظارهم فاكلوا ولم ينتظروا سمكاتهم حتى تنضج..
السوق يقع على مسافة بعيدة عن بيت جدي فكان الوصول إليه شاقا يتطلب المشي طويلا وعبور جسرين خشبيين، وعندما صرت مراهقة صغيرة طلب جدي مني أن البس العباءة حين أذهب الى السوق وكنت اتعثر بها لكنها الطريقة الوحيدة لعبور منطقة مليئة بالسكان المحليين الذين لم يروا وجوها غريبة كثيرة فما بالك بامرأة سافرة ـ حيث كانوا يعدونني في ذلك الوقت امرأة ـ وكانت عيون كثيرة تتطلع إلينا ونحن نسير نحو السوق الذي يحتوي حاجيات قليلة، فالمنطقة قد تعودت على الاكتفاء الذاتي، وكان بستان جدي يكتظ بأنواع مختلفة من المزروعات منها نبتة "شبنت" كبيرة بقيت رائحتها تسحرني، فكثير علي أن أحصل على الاشياء من منابعها الاولى..
ذات يوم ذهبنا في رحلة ما بعد الظهر لجلب الماء، وكنت اتأمل كل شيء حولي بعيون مندهشة، حتى شجرة الرمان في بيت عمي بالنسبة الي أمرخارق للعادة، بورودها المبهجة وأغصانها التي ترتمي على شباك الدار، في تلك الرحلة الصغيرة صدمني مشهد أفعى بيضاء وقفت قبالة مشحوفنا وصارت تمشي في الهور موازية لنا وقريبة جدا.. تملكني الرعب على الرغم من جمالها، لكن ابنة عمي ردت بهدوء "هذي حية ماي ما تعض لا تخافين" بقيت خائفة ومتسمرة بمكاني ومندهشة ومستغربة من معرفة ابنة عمي بأنواع الأفاعي التي تعض والتي لا تعض وهي بهذه السن الصغيرة..
انقطعت علاقتي بالهور لسنوات بعدها فقد كبرت وجف الماء وصارت المسطحات المائية التي أجلس قبالتها كل صباح أرضا ذات شقوق كبيرة وربما تحولت أفاعي الماء الى أفاع سامة قاتلة، لكني بقيت اشعر بانتماء لهذا المكان وكأني ابنته فعلا..
هامش: لكثير من ابناء المدن الذين اعتقنوا معارضة الطاغية ذكريات مع الأهوار فقد كانت ملجأهم من بطشه ومنطلقهم لقتاله، لذا كان تجفيف الأهوار عملا اجراميا ليتخلص صدام من معارضيه حيث كانت النتيجة تخريب بيئة طبيعية تبلغ مساحتها ما يقارب مساحة لبنان..