Facebook
غجر العراق ( الكاولية )‏ PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: محمد الرفاعي   
الأربعاء, 12 تشرين1/أكتوير 2011 09:03
kjr

يطلق العراقيون على أقوام الغجر التي تسكن العراق تسمية (كاولية )، وهذه الكلمة ترتبط في ذهن وسلوك العراقي بالرقص والغناء والبغاء. وفي غالب الاحيان يرحل العراقي الباحث عن اللذة الجنسية الى اماكن تواجد الكاولية او( النور ) كما يطلق عليهم ايضا، بخفية وسرية عجيبتين خوفا من الفضيحة، ذلك ان الغجر غالبا مايعيشون في تجمعات سكانية على مقربة من المدن الكبيرة

وبالرغم من أن العراقي ينظر الى هذه الفئة بعين الغمز فانه لايستطيع ان يتخلى عن دورها، واستطاع الفن الغجري ان يكسب اهتمام العراقيين ودخل الفن الغجري الاذاعة والتلفزيون بسبب الاهتمام الشعبي الكبير به وعلى وجه الخصوص في مناطق الريف العراقي، وكان العراقيون قبل ظهور التلفزيون يدعون الغجر لاحياء حفلات الزفاف أو مناسبات ختان أولادهم الذكور على الهواء الطلق حيث يقدمن الكاوليات الرقص والغناء لقاء مبلغ محدد.

ويبقى الغجري العراقي مواطنا له كل الحقوق والواجبات، وليس لاحد الحق في ان يمنعه عن ممارسة عاداته وتقاليده ويمتهن المهن التي يكسب منها قوته اليومي.

كلمة الكاولية لها مدلولات عدة فقد حرفها الفرس من كالبه الى كاوليه تضاربت آراء المؤرخين والباحثين بالغجر او الكاولية ..

بعد أن تضاربت أراء المؤرخين والمهتمين بالغجر وهم يبحثون في بطون القصص والأساطير التي تحكي عنهم سعيا للوقوف على أصلهم، اتفق علماء الغجريات على الأصل الهندي للغجر وهذا ما يؤكده بشرتهم ولون عيونهم وقوامهم التي تشبه سكان جبال الهند وأفغانستان،واستنتج علماء الغجريات ايضاً ان الغجر قدموا من الهند هرباً من الغزوات البربرية التي اجتاحت الهند ، اذ لم يتحملوا موجات الغزو هذه، لذا غادرت قبائلهم هذه البلاد متجه نحو المجهول وحينما يأخذ الباحث على عاتقه مهمة تتبع اثار الغجر منذ زمن بعيد، لابد وان يقع في بعض الالتباسات التي من شأنها ان تثير الشك ، اذ ان هناك شعوباً وقبائل لم يعرف نشؤها بصورة دقيقة ، وهذا ما ينطبق على الغجر واصلهم ، وبعد ان تقاطعت الاراء فهناك من ظن انهم قد وفدوا من بلاد مابين النهرين واخرون افترضوا انهم من مصر او شمال افريقيا او اثيوبيا، الا ان علم التاريخ وسلالة الشعوب استطاع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ان يجزم بشكل قاطع على الموطن الاصلي للغجر هو الهند ، وبالرغم من صعوبة تقرير الحدود الفاصلة للتصنيف العرقي للغجر الا انهم مع هذا يعتبرون ذوي اصل مشترك متجانس التكوين في تقاليدهم وعاداتهم واعمالهم ولم يتردد بعض الباحثين في اعتبار الغجر من سلالة قابيل، في حين ذهب المستشرق(توماس اكتون) إلى أن الغجر أناس متفرقون وليس مجموعة واحدة وقد جاؤا إلى العراق بموجات متتالية وهم خليط من مجموعات بشرية مختلفة نتيجة اختلاطهم بكثير من المجتمعات قبل استيطانهم بالعراق وبعده.

اما البستة الغجرية والتي استقرت السيادة فيها لنغم البيات والتي لايمكن معرفة مؤلفها وملحنها فأنها تغذت من بيئات ريفية متنوعة بنتيجة الاسفار والترحال والتجوال التي اصبحت صفة ملازمة لطبيعة حياة الغجر ومعيشتهم، وهي بالتالي أي البستة ارتبطت بعمق المساحات الجغرافية التي يصلونها ويقيمون فيها نشاطاتهم الفنية وتلاقحت بما موجود فيها من فنون وهي في كل احوالها اتصفت بالعفوية والبساطة وهما الصفتان الغالبتان على طابعها كونها ظهرت استجابة لأغراض اجتماعية وتعبر عن الواقع الذي نشأت وتعيش فيه اضافة الى توفير عنصري الاستمتاع والتطريب0 وعلى الرغم من هذا التفرد والخصوصية لبستاتهم الا اننا نلاحظ ان الغجر يتاغمون بل يذهبون الى اداء بعض اغاني وبستات المناطق التي يؤدون فيها نشاطاتهم الغنائية والتي تنسجم وطبيعة اصواتهم وامكانية اداء آلاتهم الموسيقية، فتراهم يرقصون ويغنون الهجع واطوار الابوذية عندما يقيمون نشاطاً في المنطقة الجنوبية، ويغنون المحمداوي في المناطق القريبة من الاهوار

ويرقصون الجوبي ويغنون النايل والسويحلي عندما يذهبون الى غرب العراق..الخ.اما الكلمات المتداولة في غناء بستاتهم فهي نتاج الثوابت والمتغيرات التي تلاقحت بما موجود من فن في تلك البيئات اضافة الى ادواتها ومناخاتها الشعرية الخاصة ، فهي تتسم بالسذاجة والمباشرة

وتعكس الى جانب كل هذا اجواء التجوال الذي لاينتهي والحيرة في مواجهة عالم غريب ومؤاساة للغربة ، جراحات تغنى بالاساطيلر والحكيات ، حزن عميق وهرب متواصل ليس له حدود .

يحتل شعر الدارمي مكانا رحبا في صدر البستة الغجرية،وتكاد لا تخلو منه اغلب بستاتهم كونه شعر قصير ومطاوع في ايقاعه وتلحينه وغنائه ومؤثر في مضامينه وعميق في معانيه.

وقد تعرضت مفردات بعض البستات التي وقعت على لسان الغجري الى التواءات لفظية لبعض حروفها باتجاه لهجتهم المحلية،بسبب ان الغجر يلفظون حروف المفردة العربية بنطق يختلف عما ينطقها العربي،هذا وقد ادى غياب المكروفونات في اغلب حفلاتهم التي يؤدونها الى تضخيم بعض حروف المفردات العربية والمبالغة في ادائها،وخاصة حروف المد ونطقها بفم ممتلئ مفتوح ربما يؤدي بعض التشويه للمفردة بعد ان يمنحها القوة والسعة لايصالها الى ابعد مكان ممكن ان تصل اليه مسترسلة مع خيوط الليل ليستقبلها ابن الريف الذي اصابه الوجد وعصف به الهوى0 وتبعاً لذلك ومع مرور الزمن اكتسبت البستات الشرعية الغجريةوتناقلتها اجيالهم كونها صنيعة فكر عفوي فطري لا تتعدى الجنس في مساحة بنيتها النغمية المنبثق من ولادتها وارتباطها الوثيق بالطور الذي يسبق غنائها.وتكاد لا تخلو ايضا حفلات الغجر من غناء ورقصة الهجع،اذ يقتصر اداؤها على النساء دون الرجال ولها مساحة واسعة في حومة رقصهن وتكون مصحوبة باصوات الراقصات المرددات لتلك الابيات الشعرية المختومة بلفظة(هجع)وهن يؤدين حركات الرقص والتي تعتبر اكثر اثارة للحضور حيث تؤدي الراقصة من خلالها حركات الارداف والاكتاف والرقبة وحركة الشعرمع حركة ثني القدمين واندفاع الصدر للامام تصحبه حركات سريعة مغرية والى ذلك من حركات مثيرة اعجاب المتفرجين.

تضم الجوقة الغجرية اربع الى خمس راقصات على الغالب يرقصن بابهى الحلل والملابس كما ذكرنا سابقاً على ان تكون من بينهن مطربة ذي صوت جميل مؤثر قوي(تسمى الجوقة او الفرقة باسمها)(1)تحسن في غناءها ما هو مطلوب وما يدور في اجواء الحفلة كالابوذية والنايل والسويحلي واغاني الدبكات والبستات التي يشاركها في اداؤها بعض الراقصات والعازفين ومن هم بجوارهم من شلتهم ولا تصاحب المطربة زميلاتها الراقصات في تجوالهن بين الحضور اذ تقف امام عازف الربابة لتشكل ثنائيا معه تناغمه ويستجيب لها.وتتعافى الجوقة وتكون اكثر حظا في كسب المال من خلال الطلب اليها تلك التي تتاءهل بمطربة ذي صوت ريفي جميل وراقصات جميلات يمتلكن خفة الدم والحركة.

اما الجوقة الموسيقية الغجرية فقد يغلب الطابع الايقاعي على اجوائها بل يكون قلبها النابض،حيث يحتل الايقاع موقع الصدارة بين محرك ومحاور لحركات الرقص التي تتناصف مع اداء الغناء في تلك الاجواء.وتتكون الجوقة من بعد عازف الربابة من اربعة عازفين على الات ايقاعية متنوعة باصحابها منسجمة بادائها،اذ يحتضن العازف الاول منهم ويسمى ( اللازوم) اكبر طبلة في الجوق تصنع عادة من الفخار ويكسى احدى طرفيها بالجلد الذي يسحب بنسبة قليلة للحصول على صوت رخيم عريض يكون قاعدة واساس للايقاعات الاخرى.وقد يقوم العازف باداء الايقاع بتجرد دون اضافة أي زخرفة عليه ويكون ميزانه2/4 على الغالب،وهو الذي يبدا الحفلة وفواصلها ويحدد سرعة ايقاع غناؤها .

اما العازف الثاني والذي يحتضن هو الاخر طبلة اصغر حجماً من التي قبلها ومصنوعة بنفس مواصفاتها ولكنها اكثر شدة في سحب جلدها ، فأن عازفها يعزغ بطريقة مضاعفة القيم الامنية لايقاع اللازوم مع المحافضة على السرعة التي يؤديها اللازوم ويسمى هذا العازف ( الصاكول)

لقد عانى عازف الربابة الغجري نتيجة سعة الفضاءات التي يعزف فيها من نقص واضح في طبيعة ارتفاع صوت الربابة التي شاطر البدوي في عزفها، والمعروفة بالصوت الرخيم الواطىء والتي صنع صندوقها الصوتي من الخشب مكسواً بالجلد مسحوباً بالخيط والتي كانت تفي بغرض البدوي كون طبيعة صوتها لايتعدى حدود خيمته التي تحتضن البدوي و اصحابه0 ومن هنا ذهب الغجري ليعالج هذا العوز والنقص في ظاهرة صوت ربابته لاسيما وهو يعزف في الهواء الطلق وبمساحات مكشوفة كبيرة تبلغ عدة امتار ، اضافة الى زيادة عدد الالات الايقاعية التي ترافق عزفه وبأصوات مرتفعة وبعد جهود مضنية اهتدى الى تغير الصندوق الصوتي الخشبي والمغلف بالجلد واستبداله بصندوق مصنع من المعدن( الكلن) بعد تنظيفه وعمل فتحتين في وسطه، والذي يكون حجمه اكبر وجوفه اوسع من ربابة البدوي وبهذا يكون عازف الربابة الغجري قد حصل على آلة موسيقية بمواصفات تنسجم مع اجواء بيئة وطبيعة عمله وهي بهذا اقل تأثيراً بالعوامل التي قد تسبب اتلافها ، بعد ان تخلص من اشكاليات الجلد وتأثره بالانقلاب الجوية اضافة الى بساطة صناعتها وقلة كلفتها، مستعملاً شعر ذيل الحمار بدلاً من شعر ذيل الحصان كون الاول اقوى وامتن واكثر مقاومة ومطاولة بالعزف والغجري في كل احواله يقوم بصناعة آلاته الموسيقية بيده ويتفنن بجودتها من المواد الاولية المتوفرة في البيئة التي يعيش فيها كالخشب والفخار والجلد والذيول .

يؤدي الغجر حفلاتهم خارج مستوطناتهم تلبية لدعوة قد تصل اليهم بطلب من شيوخ العشائر او ابناء الريف بمناسبة الاعراس وختان الاطفال وبعض امور الافراح الاخرى .

مايهمنا هنا هم الغجر في العراق الذين تطلق عليهم تسمية «الكاولية» ومفردها «كاولي»، وهم مجموعة سكانية عراقية تنتمي إلى مجموعة الشعوب الغجرية التي تعود جذورها إلى شبه الجزيرة الهندية ودلتا السند، ويشكل الغجر في العراق أقلية عرقية حيث يتراوح عددهم بين 50 و200 الف نسمة، ينتشرون في جماعات صغيرة على عموم القطر العراقي، ويسكنون في تجمعات قروية او بشرية عادة ماتكون منعزلة عند اطراف المدن او الاقضية، حيث توجد تجمعاتهم في بغداد(ابي غريب والكمالية) والبصرة (شارع بشار وحي الطرب على طريق الزبير) والموصل في (هجيج والسحاجي) اضافة إلى بعض القرى في سهول جنوب العراق كالديوانية (قرية الفوارة) والمثنى ومنطقة «الفجر» في الناصرية. ويعتقد العراقيون ان هذه الكلمة تعني «كابولي» اي قادم من كابول عاصمة افغانستان، وهذا الجواب يحمل شيئا من الحقيقة، كما يقول اللغوي العراقي مصطفى جواد. فالغجر اصلهم من الهند وافغانستان وخصوصا المناطق الجبلية في هذه المناطق، فبشرتهم ولون عيونهم وقوامهم تشبه سكان جبال الهند وافغانستان، وقد بدأ هؤلاء الاقوام يصعدون الى الشمال الغربي منذ الألف الثاني قبل الميلاد، ودخلوا بلاد فارس ثم نزلوا السهل العراقي في الالف الاول ق.م. وكانوا بدوا رحلا يعتاشون على منتجاتهم الحيوانية خصوصا الحليب وايضا امتهنوا مهنة الرقص والغناء الذي حملوه معهم من ديارهم ليمارسوه في افراح المناطق التي ينزلون جوارها.

لم يختلط الغجر مع سكان المناطق المجاورة او يتداخلون معهم في النسب الا نادرا، ولم يمتهنوا التجارة ليتمكنوا من الانتشار والتوسع في المناطق التي حَلّوا فيها، فقد كانت تلك الاراضي الزراعية التي جاوروها ملكا لاصحابها في المجتمع الزراعي العراقي، أو كانوا يتواجدون عند أطراف المدن في النواحي والاقضية، ولذلك آثروا العزلة في مجتمع مسالم وحميمي لم يظهر البغضاء او الرغبة في الامتلاك والتوسع، يعيشون على حيواناتهم ولذلك كانوا يسمون في العراق القديم «كاولي» والكاولي في اللغة العراقية القديمة تعني اصدقاء. وحتى كلمة غجري العربية كلمة عراقية قديمة عربها العرب وحولوها من» ككري الى غجري، والككري باللغة العراقية القديمة تعني «ابو الحليب» او الذي يعيش على الحليب لان كلمة «كَكَر» تلفظ بالكاف العراقية المفتوحة، وتعني حليب و«ككري» هو الذي يعيش على الحليب، لأن هؤلاء الناس كان غذاؤهم الرئيسي منتجاتهم الحيوانية وخصوصاً الحليب.

ويذهب الأكاديمي العراقي لطفي الخوري إلى أن كلمة غجر مشتقة من اللفظة التركية «كوجر» والتي تعني رُحّل. ويؤكد الخوري انه مازال الناس في مدينة الموصل (شمال العراق) يستعملون كلمة «غوجر» للإشارة إلى الغجر، ومنهم من يستعمل كلمة «قرج» في بالمعنى نفسه وهو ما يعتبره الخوري إثباتا لصحة فرضيته، ويرى غيره أنها مشتقة من قاجار، القبيلة التركية التي تنحدر منها إحدى الأسر التي حكمت بلاد فارس.

وكان الغجر ينتظرون من يأتي اليهم ليقدموا له الحفلة الخاصة او يأخذهم لأحياء حفلات الاعراس او المناسبات السعيدة، ولم تجذبهم المدنية او الرغبة في تطوير الذات ودخول المدارس او الجامعات، فهم جماعات كانت تفضل المتعة والطرب ومن طبائعهم الاجتماعية أنه لايجوز للكاولي ان ينظر الى او يتحرش بالكاولية من بنات مجموعته واذا فعل ذلك يدفع فصل اي مبلغ محدد من المال يفرض عليه من قبل اهلها، ولم تكن الكاوليات يسهل نيلهن اي انهن لسن بائعات هوى بالمصطلح المتعارف عليه، فقد كان الهدف هو الترفيه من خلال الطرب والرقص بالدرجة الاولى يرافق ذلك ابتزاز وسحب المال من الزبون القادم لطلب هذه المتعة والذي يتحول بمرور الوقت وطول فترة تردده عليهم الى زبون دائم وصديق، وقد تتوطد علاقته باحداهن فيدفع مهرها مبلغ يتفق عليه مع ولي امرها وطالما كان رجال السلطة والتجار يرتادون اماكن وتجمعات الكاولي

 

التعليقات: